| ► | فبراير 2010 | ◄ | ||||
| إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت | أحد |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 |
| 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 |
| 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 |
| 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 |

روابط مهمة

« اكتب» قال
قلت: ما أنا بكاتب.
قال قلت لك: اكتب!!
قلت ما أنا بكاتب،
أنا مجرد رجل يفتح ثقوبا في جدار الروح لينفذ إليه منها قبس من نور السماء ونفحات من عطر الأرض ، ويتسرب منها بعض من دخان يأس وتعب السنين..
وينثر في غبار الأثير كلمات علها تنمو أزهارا يقطفها عابر سبيل أضناه المسير، أو تحط عليها فراشة أو تلثم قلبها نحلة..
قال: اكتب…
فتمطى ظله أمامي واضح المعالم؛ قبعة مكعبة… مسدس بارد… وعصا سوداء…
من ظله تعرفت عليه فلم أرفع بصري …ارتج الخوف بين أضلعي ، وكانت سبابته تشير إلي فيمتد ظلها من قفصي الصدري إلى كهوف منسية وراء الشمس عبر دروب الآلام والأحزان..
« اكتب» قال.
تلعثم القلم بين أناملي وتساقطت نقط الحبر دموعا من عينه على الورق .. وتطايرت الأفكار من ذهني كعصافير مذعورة. فلم اكتب حرفا… ولم أنبس ببنت شفة.
قال: اكتب عني..
اكتب…
عن صبي كان يهوى جمع الفراشات ويحب العصافير ويطعم بيديه أسماك النهر، ويلون بألوان الفجر ..أماني الصبا، يرتبها في دفتر الأحلام، ثم يتوسده وينام…
كان كلما قرأ أو سمع نظرية دارون عن أصل الأنواع، التي يزعم صاحبها أن أجدادنا ينحدرون من فصيلة القردة يتحسس أسفل ظهره باحثا عن ذيل أو بقايا ذيل ، فيمرر أصابع يده بعناية إلى أن يتأكد بالملموس بأن ظهره أملس لا نتوء به، وأنه على كل حال لا يمكن أن يكون جده الأول نسناسا، فالنسانيس تمتلك ذيولا وهو لا ذيل له، فتصدر عنه ابتسامة ساخرة تتلوها زفرة عميقة، عندها تغشاه السكينة وتغمر قلبه الراحة والاطمئنان فيبسمل ويحوقل ويحمد الله، ثم ينام قرير العين..
ظل هذا حاله إلى أن حل ذلك اليوم المشؤوم الذي لن ينساه أبدا …
كان قد عاد للتو من عمله، يحمل على كاهله ثقل السنين، وهموم الشغل والأبناء وضيق ذات اليد، خاصة ونحن على مشارف عيد الأضحى المبارك..
ارتأى أن يخفف عن نفسه بكأس شاي.. تمدد على الأريكة وشغل جهاز التلفزيون ليرفه عن نفسه.. لكنه لم يصدق ما رأى:
مظاهرات تصم الآذان وصراخ يطاول عنان السماء.. أصوات طبول الحرب تدق في كل مكان.. الأعلام والرايات ترفرف في السماء أو تحملها الأكف والسواعد..
تحفز..
استوى في جلسته..
فار الدم في عروقه..
أخيرا حلت الساعة التي انتظرها العمر كله..
أخيرا قامت الدنيا ولن تقعد..
أخيرا هبت الجماهير هبتها المباركة لتحرير أولى القبلتين وثالت الحرمين الشريفين..
لماذا أنا؟؟؟
قالها… ثم أمال رأسه قليلا نحو الخلف حتى لامس الوسادة الموضوعة بعناية تحت رقبته، فتح عينيه على مصراعيهما فداهمته زرقة سماء صافية تسبح فيها أسراب طيور تظهر من بعيد …
***
أغمض عينيه من جديد…
فلاح له وجه أمه، كصفحة من كتاب أصفر عتيق، دون عليها الزمن الغادر ما شاء من آيات الحزن والألم والمذلة، خطوطا متعرجة من التجاعيد .. ثم رمى بها على رصيف الحياة : العينان غائرتان، تختبئان من خوف تحت جبهة غطتها خصلات شعر غزاها الشيب، فانفلتت من إسار منديلها المطرز …
طرقت مسامعة أصوات جلبة آتية من بعيد…
فتح عينيه، كان يعرف بحكم العادة أنه موعد رجوع صبايا وصبيان المدارس، مصحوبين بأمهاتهم أو بدونهن، يمرون بجانبه غير مكترثين، أو يلقي إليه أحدهم بتحية باردة ، أو تصفعه إحداهن بنظرة إشفاق وابتسامة باهتة صفراء، وتغرز في مسام أذنيه تلك الكلمة التي يمقتها حد الوجع والموت: مسكين !!!
ـ لماذا أنا؟؟
عاوده السؤال العنيد..
تغادر الطيور أوكارها مع إشراقة كل شمس جديدة، وتلاميذ المدارس، وصغار الخراف… حتى الحشرات ترقص رقصة الحياة البهيجة وهي تملأ الفضاء طنينا… إلا أنا؟؟
***
مال برأسه نحو اليمين، ثم أغمض عينيه…
بدت له يدا أمه المعروقتان كغصن اقتطعته الريح، من شجرة ضامرة في فصل خريف لم يعقبه شتاء ولا ربيع..
يدان قويتان رغم نحافتهما، هما الامتداد الطبيعي لجسمه المشلول، تحملانه صباحا من السرير إلى الكرسي المتحرك، تنقلانه إلى دورة المياه، تعدان له وجبات الطعام،تعتنيان بنظافته وراحته، تنفضان عن كتفيه غبار الإعاقة والوحدة والحرمان…
في يوم مثل هذا من شهر أكتوبر حط عصفور جميل على شباكي، كان الوقت فجرا، شمسه الشاحبة الخجولة تزحف في هدوء حالم، تخضب سحب تشرين المتدافعة في الأفق بحمرة قانية، وكنت يومها أبعثر كلماتي في ملاعب الصبا، وألملم أذيال صباي في حقيبة العمر، أجمع فيها ما تناثر من أوراقي التي تطايرت عليها بقع من حبر الطفولة البعيدة…
وقفت مبهورا أمام العصفور الجميل ظننته طائرا عابرا تخلف عن سربه فوقف يستريح على نتوء أحزاني، قبل أن يكمل رحلة الهجرة الطويلة …
لكنه فاجأني؛ انتقل من شباك نافذتي إلى قفصي الصدري.. احتل محرابي وكتبي ودواتي..
انتقى من ريشه الملون أجمل ريشة غمسها في محبرة قلبي وشرع يرسم على بساط الصدر قصيدة حب أزلية، وأقواس قزح تبشر بمواسم المطر والضياء وحقول الورد والياسمين.. وسماء ثامنة تسبح في لجتها غيمة بيضاء؛ بساط بحجم عش يأوي صبيا امتطى القمر مركبا يجوب به الكواكب، وصبية ضاقت بها الأرض بما رحبت، فحملت روحها وطارت تلتمس الهدوء والسكينة حيث لا يصل البشر…
وعبث العصفور الساحر بفصولي:
سقاني عنبا في عز الشتاء،
وأمطرني ثلجا في حر الصيف،
بالكاد وصلت إلى البيت..
أفرغت السماء ما في جوفها من مياه على شوارع المدينة، وحولتها إلى برك ومستنقعات، مما عطل حركة السير، وألزمني أن أقبع وراء عجلة القيادة مدة من الزمن أراقب المارة وهم يتدبرون أمورهم بأنفسهم : وسط الأوحال تحت المطر..
****
في البيت، وعلى شاشة التلفزيون كان المنظر مختلفا تماما…
كان السيد الوزيريتصدر الجلسة ويبدو مرتاحا وواثقا من نفسه وهو يجيب على أسئلة الصحافيين في برنامج حواري.. محاطا بكوكبة من نجوم السياسة وصناع القرار في المملكة السعيدة..
كاليدوسكوب حقيقي من الألوان والأضواء : فسيفساء من الشخصيات البارزة: برلمانيون؛ وزراء يتأبطون حقائبهم الفاخرة، وآخرون أضاعوها في زحمة التقلبات السياسية، مناضلون نقابيون تخلت عنهم قواعدهم وتركتهم متربعين على قمم عروش الوهم والذكرى، شيوعيون سابقون فقدوا منجلهم والمطرقة تحت أنقاض جدار برلين، وأصبحوا كاليتامى يستجدون فت

ها هي الطبيعة تكمل دورتها غير عابئة بهموم البشر وأوهامهم الصغيرة والكبيرة، وفصل الحر يغادر مستعجلا كمسافر يخشى أن يفوته القطار، ورياح الخريف رويدا رويدا تطفئ لهيب المصيف، والأشجار عرائس حور تتعرى .. تكشف عن مفاتنها لسلطان السماء استعدادا لحمام المطر، وفستان عرس أبيض ناصع من ثلوج الشتاء ..
*****
وضعت يدها بين يديه ورأسها على كتفه ومشيا الهوينى، كما تعودا دائما، كعاشقين من زمان الوصل الجميل، يتأبطان أحلام زمن ولى مع الربيع وقد لايعود أبدا.. ينصتان إلى خشخشة أوراق الشجر وتأوهاتها تحت أقدامهما تتناغم مع نبضات قلبيهما وهمسهما…
وعندما بلغا قمة الربوة ولفحت وجهيهما نسمات المساء، تدثرا من برودتها بمعطفه الأسود الطويل وجلسا هناك يقتسمان قطعة حلوى يبددان بها بعضا من مرارة هذا الزمن الرديء… يتأملان في صمت ال
[










