ولادة
كان صوت المروحية الكبيرة المتدلية من السقف، وهي تحاول جاهدة أن تبدد بعض حرارة صيف بدأ قائظا نغمة نشاز في سيمفونية الصمت الذي يعم مستشفى الولادة، تخترقه بين الفينة والأخرى صرخة مولود جديد يعلن عن وجوده بصرخة قوية.. بينما يعبق المكان بتلك الرائحة المميزة للمستشفيات : خليط من رائحة الدواء والمرض .. الموت والحياة..
كانتا تقتسمان الغرفة الأولى على اليمين، ذات الأسرة الأربعة ، بينما بقي سريران فارغان ينتظران حبلى جديدة، ومخاضا جديدا، ومولودا جديدا يحمل معه صرخته وأنامله الرقيقة إلى عالم لا يعرف عنه شيئا..
وكما في لحظة يجمع القدر بين المتناقضات جمع بينهما في نفس الزمان والمكان:
الأولى: كان قلبها عصفورا يفرد جناحية عاليا في سماء الفرح، فرغم صعوبة المخاض، وآلام الولادة، لم تكن السعادة لتسع قلبها، تنقل عينيها المجهدتين بين سلال الزهور والفواكه،وباقات الحب والتهاني، وزوج تتراقص الفرحة بين عينيه وقلبه، وهو يتطلع إلى قامته الممتدة في كومة اللحم الصغيرة الراقدة في هدوء وسكينة جنب سرير الأم.
أما الأخرى، فكانت تتكوم في زاويتها مثل قطة منبوذة قرب المدفأة في ليالي الشتاء، تحاول عبثا إخفاء لافتة موشومة على جبينها: مكتوب عليها: أم عزباء، تلقم ثديها الضامر الأعجف































