عرائس من هباء

كتبهاناجي امين ، في 19 أكتوبر 2009 الساعة: 21:56 م

بالكاد وصلت إلى البيت..

أفرغت السماء ما في جوفها من مياه على شوارع المدينة، وحولتها إلى برك ومستنقعات، مما عطل حركة السير، وألزمني أن أقبع وراء عجلة القيادة مدة من الزمن أراقب المارة وهم يتدبرون أمورهم بأنفسهم : وسط الأوحال تحت المطر..

****

في البيت، وعلى شاشة التلفزيون كان المنظر مختلفا تماما…

كان السيد الوزيريتصدر الجلسة ويبدو مرتاحا وواثقا من نفسه وهو يجيب على أسئلة الصحافيين في برنامج حواري.. محاطا بكوكبة من نجوم السياسة وصناع القرار في المملكة السعيدة..

كاليدوسكوب   حقيقي من الألوان والأضواء : فسيفساء من الشخصيات البارزة: برلمانيون؛ وزراء يتأبطون حقائبهم الفاخرة، وآخرون أضاعوها في زحمة التقلبات السياسية، مناضلون نقابيون تخلت عنهم قواعدهم وتركتهم متربعين على قمم عروش الوهم والذكرى، شيوعيون سابقون فقدوا منجلهم والمطرقة تحت أنقاض جدار برلين، وأصبحوا كاليتامى يستجدون فتات الموائد على قارعة الطريق، نساء متحجبات وأخر سافرات.. رجال أعمال يربتون على كروشهم المنتفخة وهم يغالبون النوم…

لكن ما كان يجمع بين هذا الخليط العجيب هو البريق واللمعان، كانت وجوههم لامعة كأنما دهنت بطلاء يخطف الألباب، تنعكس عليها الأضواء فتبدو كالأصداف…

وفي الوسط كان الممثلون يؤدون أدوارهم في مسرحية سخيفة مقززة: صحافيون  يشنفون آذان السيد الوزير بأسئلتهم المتفق عليها مسبقا، وهو يفتح فمه كالمنجنيق، فتتطاير منه حمم المصطلحات الرنانة : التنمية المستدامة، الديمقراطية،  العادالة الاجتماعية،الرخاء الاقتصادي، الحداثة والتحديث…

بَحثتُ في وجوه الحاضرين عن وجه غير لامع رأيته هذا المساء، وجه كالح فقد البريق ، امتزج فيه غبار الطريق بعرق التعب، وماء المطر بدموع الاحباط ، فلم أجده .. ربما كان لايزال هناك يكابد حزنه  وشقاءه وحيدا على جانب الطريق….

*****

كان لدي سؤال واحد تمنيت أن أطرحه على السيد الوزير:

ماذا ستفعل حكومتكم الرشيدة لبائع  الخضر الذي غاصت عجلات عربته في الأوحال وجرفت مياه الأمطار رأسماله البسيط، وتركته وأفراد أسرته عرضة للجوع والبرد والضياع ؟؟

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

15 تعليق على “عرائس من هباء”

  1. تحياتي أستاذي

    لكم أنا محظوظة أن أكون أول المطلعين على مقالك الرائع الذي لا أملك امامه الا ان اقف لك اجلالا واصفق لك على واقعيتك في تناول هذا الموضوع..

    لقد ارهقونا بخطبهم الجوفاء..و وعودهم الزائفة..

    واجترار نفس السيناريوهات وصم اسماعنا بها..و تسميم ابداننا..ولكنهم قد انكشفوا..وفقدوا ماء وجوههم..

    قلمك دائما صادق.. ومبدع..

  2. بلقيس الملكة

    مرحبا بك، تشرفين في كل وقت وحين..
    في الحقيقة انا المحظوظ بزيارتك البهية وكلماتك الرقيقة..
    كوني دائما بالقرب

    تحياتي وتقديري

  3. صورة حقيقية لما نعاني منه في دولنا العربية من فسادإداري وبعد عن الديمقراطية التي طالما أرهقوا آذاننا بها في tv و في كافة وسائل الإعلام الواقع شيىء و تصريحاتهم الرنانة شيىء آخر و كأنهم يتحدثون عن بلد آخر لسنا ساكنيها شرذمة متحولقة أقلية لكنهم المهيمنون على القرار المتحكمون في أقوات البشر أما الفقراء في بلادنا ليس لهم إلا الله
    تحية بحجم السماء وباقات ضوء لروحك ناجي

  4. إن سألت الوزير سؤالك سيكون جوابه وبلا شك :
    “لقد أرسلنا وفد من الوزراة لمتابعة الأمر لدى بائع الخضار و تم معالجة الموقف ” ولن يمتنع أبداً عن تهويل الخدمات المقدمة ليلقي لسمعك رقماً خيالياً تبرعت به الوزراة على المنطقة المتضررة …

    و في اليوم التالي ستمر من نفس المكان لترى بائع الخضار ممداً تحت عربته يصلح عجلاتها !!

    تلك الوجوه اللامعة أرهقتنا و أصبحت بالنسبة لنا من أكثر الأشياء المقززة …

    تحيتي و تقديري لك

  5. تضامناً مع المدونة والمربية القديرة نجااااح أبو الرب
    في وجه حملةالذئاب البشرية المنظمة لتشويه كل قيمة في عالم مكتوب ، والذين جل همهم اصطياد الفتيات كما أجهزة مخابرات العدو في كل مكان وأظنهم جزءً لا يتجزأ من تلك المنظومة الأمنية التي تستهدف كل تجمع عربي حر
    للتضامن مع نجاااح أبو الرب . اضغط الرابط
    http://rajeeshaker.maktoobblog.com/1615069/

  6. اخي الكريم ناحي أمين

    الله يسعد أوقاتك أخي

    ضحكت من قلبي عند هذه الفقرة

    ” وهو يفتح فمه كالمنجنيق، فتتطاير منه حمم المصطلحات الرنانة : التنمية المستدامة، الديمقراطية، العادالة الاجتماعية،الرخاء الاقتصادي، الحداثة والتحديث… ”

    نعم أخي هذه العبارات المعلبة التي انتهت فترة صلاحيتها وفاحت رائحة العفن والنتنة منها .. متى سيفهمون أننا لنا عقول نفكر بها وندرك ونميز وان كنا لا نستطيع التعبير عن رأينا ولكن الاشمئزاز يقتلنا ..

    أتمنى ان ياتي مطر يلمع فيه الفقراء والمسنضعفون ويغوص بوحله كل هؤلاء الممثلون الذين أصبحت أحاديثهم تثير الغثيان .. متى يرحمنا الله منهم ؟

    شكرا لك أخي ناجي على إتاحة هذه المساحة لي للبوح والفضفضة ودمت من السالمين اخي .

  7. أستاذي العزيز ناجي
    صباح الخيرات
    الوجوه اللامعة والخطب الرنانة , والسينارو المعد مسبقا
    كلها أمور لتبيض وجوه كالحة السواد أنتشرت كثيرا في
    الدول العربية , تسير الأمور كما لو كانت لعبة خشبية
    وما دخل الوزير ببائع الخضار ؟؟؟
    هل تظن بأن الوزير عمر ابن الخطاب !!
    لو سألته سوف يتم القاء القبض على البائع لأنه المتسبب
    في عرقلة انسياب المياه والأمطار
    ما أكثر عيوبنا العربية لم يعد يجدي فيها الحل
    تحياتي واحترامي

  8. جمعة مباركة
    غفر الله لنا ولك وللمسلمين

  9. هل اختلاف الرأي يفسد للود قضية؟

    تحياتي ومودتي

  10. أستاذي ..

    ستقطع أذانهم في تلك الساعة فلا يستطيعون السمع!!

    وأعينهم تعمى فلا يستطيعون رؤية الظلم والفساد

    والحياة القهر التي يعيشها شعبهم!!!

    موضوع اجتماعي هام وهدف نبيل وراء الموضوع ..

    دام سموك بهذا الفكر .. وبورك قلمك

  11. طبع الوزير..وحاشيته و باقى الوجوه البراقة

    لن يفعلوا لبائع الخضر أى شىء

    لكن يخنقنى سؤال…من الملزم بمساعدة بائع الخضر

    من كان خلف عجلة القيادة ينتظر؟!

    أم الحكومة العمياء و البكماء و الصماء ؟

    أعتقد أنك كنت أول الملزومين بمساعدة البائع المسكين

    وأن الله فى عون العبد ماكان العبد فى عون أخيه

    هذا رأى فى فحوى القصة

    ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

    سيدى الفاضل….أعجبت جدااا بقاموس ألفاظك الفخم

    ومعانيك المحملة بروائع الوصف

    قلم قادر على الوصف و شد القارىء

    تحياتى لك أيها المبدع

    وهذه نظرتى فى رشاقة قلمك

    حنين…………..تقبل مرورى دون دعوة

  12. حنين

    هم يسمعون ما يشاؤون..

    يسمعون كلمات المديح المنافقة الكاذبة..
    يسمعون صدى أصواتهم المبحوحة كأسطوانة مشروخة..

    لكنهم لا يسمعون صوت الرياح المزمجرة، ولاأنات الضحايا

    ستعصف بهم تلك الرياح …طال الزمن أم قصر..

    تحياتي

  13. خواطر وحنين
    ))أعتقد أنك كنت أول الملزومين بمساعدة البائع المسكين وأن الله فى عون العبد ماكان العبد فى عون أخيه((
    سأبوح لك بسر:
    توقعت هذا التعليق، بل انتظرته… لكنه لم يرِد..
    لماذا لم يهب القابع وراء عجلة القيادة لمساعدة البائع البئيس؟؟
    الحقيقة ان القصة وإن كانت تتحدث عن بائع خضر بصيغة المفرد، إلا أنها تستهدف طبقة بأكملها…
    فلو تعلق الأمر بشخص واحد لهان الأمر وسهل الخطب لكنه يهم ملايين البشر، تطحنهم يوميا طاحونة البؤس والفقر والبؤس..
    بينما تتمع يا يسمى بالطبقة السياسية بكافة الامتيازات ، تدعي بأنها تدافع عنه وتمثله،
    بينما هي تمتص دماءه مثل خفافيش الظلام ..وتثري ثراء فاحشا على حسابه…
    **

    تحياتي وتقديري

  14. ناجى امين

    تفهمت من أول حرف ماذا تقصد…من الواضح جدااا أن المقال له بعد سياسى
    ولكن ….طبق ما قلت على نفس النمط

    لو ساعد كل شخص فينا جاره…فى الشارع و العمل أو الدراسة

    لو أخذ كل مواطن بيد واحدة محتاجة المساعدة(حتى لو المواطن نفسه محتاج لمساعدة)صدقنى أنسى أنك تحتاج للحكومة
    وأنسى أنك تلاقى فيه شخص محتاج أصلا….
    لكن نعمل أيه….أحنا العرب…أحسن ناس تبكى على اللبن المسكوب

    مسائك خير و معبق بالطيبة

    حنين

  15. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    لا تدع اليأس يستولي عليك انظر الى حيث تشرق الشمس كل فجر جديد ، لنتعلم الدرس الذي

    أراد الله للناس أن يتعلموه .. ان الغروب لا يحول دون شروق مرة أخرى في كل صبح جديد

    تقبل منا ومنكم صالح الاعمال وكل عام وانتم يخير

    نفعني الله واياكم للعمل بما يحبه ويرضاه،

    وأعاننا رب العزة على الاخلاص لفضله والتمسك بشرعه وأداء فرائضه

    ولكم منا بإذن الله دعوات خالصة وصادقة في ظهر الغيب بالتوفيق والسداد

    وان يجزل لكم الباري الأجر والمثوبة وأن يرفع قدركم ويسدد خطاكم ويعينكم على كل خير ويُعز بكم الإسلام والمسلمين

    وأن يجمعكم الله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في جنات الفـــردوس

    وبارك الله فيكم وجزاكم الله كل خير

    كما ويشرفني مطالعتكم مدوناتي المتواضعة
    http://ziyad-safi.blogspot.com/
    http://ziyadsafi.maktoobblog.com/
    http://ziyadsafi.jeeran.com/



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول