لماذا أنا؟؟؟
قالها… ثم أمال رأسه قليلا نحو الخلف حتى لامس الوسادة الموضوعة بعناية تحت رقبته، فتح عينيه على مصراعيهما فداهمته زرقة سماء صافية تسبح فيها أسراب طيور تظهر من بعيد …
***
أغمض عينيه من جديد…
فلاح له وجه أمه، كصفحة من كتاب أصفر عتيق، دون عليها الزمن الغادر ما شاء من آيات الحزن والألم والمذلة، خطوطا متعرجة من التجاعيد .. ثم رمى بها على رصيف الحياة : العينان غائرتان، تختبئان من خوف تحت جبهة غطتها خصلات شعر غزاها الشيب، فانفلتت من إسار منديلها المطرز …
طرقت مسامعة أصوات جلبة آتية من بعيد…
فتح عينيه، كان يعرف بحكم العادة أنه موعد رجوع صبايا وصبيان المدارس، مصحوبين بأمهاتهم أو بدونهن، يمرون بجانبه غير مكترثين، أو يلقي إليه أحدهم بتحية باردة ، أو تصفعه إحداهن بنظرة إشفاق وابتسامة باهتة صفراء، وتغرز في مسام أذنيه تلك الكلمة التي يمقتها حد الوجع والموت: مسكين !!!
ـ لماذا أنا؟؟
عاوده السؤال العنيد..
تغادر الطيور أوكارها مع إشراقة كل شمس جديدة، وتلاميذ المدارس، وصغار الخراف… حتى الحشرات ترقص رقصة الحياة البهيجة وهي تملأ الفضاء طنينا… إلا أنا؟؟
***
مال برأسه نحو اليمين، ثم أغمض عينيه…
بدت له يدا أمه المعروقتان كغصن اقتطعته الريح، من شجرة ضامرة في فصل خريف لم يعقبه شتاء ولا ربيع..
يدان قويتان رغم نحافتهما، هما الامتداد الطبيعي لجسمه المشلول، تحملانه صباحا من السرير إلى الكرسي المتحرك، تنقلانه إلى دورة المياه، تعدان له وجبات الطعام،تعتنيان بنظافته وراحته، تنفضان عن كتفيه غبار الإعاقة والوحدة والحرمان…




















